السيد محمد تقي المدرسي

196

من هدى القرآن

الرازي : لماذا قيل : لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا ولم يقل ( منها ) فأجاب : لأن الصفة هنا صفة الشراب ، ولو كان صفة الشخص لحسن القول : فلان لا يصدع من الشراب « 1 » . ولعل تقديم الشراب على الطعام لأن الإحساس بالعطش أشد ، والشراب أول ما يُكْرم به الضيف والله العالم . [ 20 ] وبعد بيان نعمة المؤانسة والشرب جاء دور الطعام ، وربما قُدِّمت الفاكهة لأنها مقتضى عادة الضيافة ، وربما لأمور تتعلق بملائمة طبع الجسم والصحة والله العالم . وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ فالفواكه موجودة بأنواعها ، ومبذولة بلا نَصَب ، ويبقى الاختيار بأيديهم ، ويبدو أن نعمة الحرية تتجلى عند أهل الجنة في كل أبعادها . بلى ؛ إنهم عاشوا في الدنيا أحرارا ، ورفضوا التسليم للطغاة والمترفين وشهوات الذات ، فأسبغ عليهم ربهم نعمة الحرية بأوسع معانيها . [ 21 ] الآن وقد ارتووا ، وفتحت الفواكه شهية الطعام عندهم ، تطوف عليهم الموائد التي فيها أنواع من لحم الطير وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ويبدو أن لحوم الطير أشهى وأطهر ، ولذلك خُصَّت بالذكر في الكتاب ، وجاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : « سَيِّدُ إِدَامِ الجَنَّةِ اللَّحْمُ » « 2 » . وروي عن الرسول صلى الله عليه وآله : أنه قال : « إنَّ في الجَنَّةِ طَيْراً مِثْلَ أَعْنَاقِ البُخْتِ ، تَصْطَفُّ عَلَى يَدَيْ وَلِّي الله ، فَيَقُولُ أَحَدُهَا : يَا وَلِيَّ الله ! رَعَيْتَ في مُرُوجٍ تَحْتَ العَرْشِ ، وَشَربْتَ مِنْ عُيُونِ النَّسِيْم ، فَكُلْ مِنِّي ، فَلَا يَزَلْنَ يَفْتَخِرْنَ بَيْنَ يَدَيهِ حَتَّى يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِهِ أَكْلَ أَحَدِهَا ، فَتَخُرُّ بَيْنَ يَدَيَهِ عَلَى أَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ ، فَيَأْكُلُ مِنْهَا مَا أَرَادَ فَإِذَا شَبِعَ تَجَمَّعُ عِظَام الطَّائِرِ ، فَطَارَ يَرْعَى في الجِنَّةِ حَيْثُ شَاءَ » « 3 » . [ 22 - 23 ] وإذا فرغوا من جلسات المؤانسة ، ومن الشراب ، والفاكهة ، والطعام ، آووا إلى فرشهم فلقد أعدت لهم زوجاتهم من الحور العين وَحُورٌ عِينٌ ( 22 ) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ إن تلاقي روح الزوجين يتم عبر العين ولذلك فإن أروع الجمال جمالها ، وحين تكون العين حوراء : سوادها شديد ، وبياضها شفاف ، ثم تكون واسعة ؛ فإنها تكون جذابة ورائعة ، أما سائر أجسادهن فهو أبيض ، أرأيت اللؤلؤ حين ينفتح عنه الصدف كيف يشع بياضا ؟ . [ 24 ] إن هذه النعم العظيمة توافيهم بفضل الله ، جزاء لأعمالهم ، لكي يزدادوا تلذذا بها ، وإحساسا بأهميتها . أرأيت الذي يحصل على نعمة بلا سعي لا يعتز بها كمن يتلقاها بسعيه فيحس أنه كان على حق ، وأن اختياره كان حكيما رشيدا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .

--> ( 1 ) تفسير الرازي : ج 29 ، ص 152 . ( 2 ) وسائل الشيعة : ج 25 ، ص 22 . ( 3 ) تفسير القرطبي : ج 17 ، ص 204 .